الشيخ محمد النهاوندي

29

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قتل المجذّر بن زياد « 1 » البلويّ غدرا ، وهرب وارتدّ عن الإسلام ولحق بمكّة ، ثمّ ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله هل لي من توبة ؟ فنزلت فحملها رجل من قومه إليه ، فقال : إنّي لأعلم أنّك لصدوق ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أصدق منك ، وأن اللّه تعالى أصدق الثّلاثة . ورجع إلى المدينة ، وتاب وحسن إسلامه » « 2 » . والظّاهر أنّ الآيات في المرتدّ الذي تاب عن ارتداده حقيقة ، ورجع إلى الإسلام واقعا وخالصا . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 90 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( 90 ) ثمّ أنّه سبحانه بعد بيان هذا القسم من المرتدّين ، ذكر القسم الثّاني منهم ؛ وهم الّذين استمرّوا على ارتدادهم باطنا ، ولكن تابوا نفاقا ، أو حين الاحتضار ، بقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا باللّه ورسوله بَعْدَ إِيمانِهِمْ به ، وارتدّوا عن دين الإسلام بعد اعترافهم به ، ودخولهم فيه ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً استمرّوا عليه . وقيل : إنّ المراد : الّذين كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم بموسى والتّوراة ، ثمّ ازدادوا كفرا بجحودهم نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وكتابه . وقيل : الّذين كفروا بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله بعد بعثته ، بعد إيمانهم به قبلها ، ثمّ ازدادوا كفرا بالإصرار عليه ، والطّعن فيه ، والصّدّ عن الإيمان به ، ونقض الميثاق . وروي أنّ الآية نزلت في الّذين ارتدّوا وذهبوا إلى مكّة ، وازديادهم الكفر أنّهم قالوا : نقيم بمكّة نتربّص بمحمّد ريب المنون « 3 » ، أو قالوا : نرجع إليه فننافقه . فهؤلاء لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ عن ذنب ارتدادهم أبدا ، لعدم إخلاصهم فيها ، أو عدم صدورها عنهم إلّا عند الاحتضار ومعاينة عالم الآخرة . وقال جمع من العامّة : إنّه تعالى لمّا قدّم ذكر من كفر بعد الإيمان ، وأنّه تقبل توبته ، ذكر في هذا الآية أنّه لو كفر مرّة أخرى بعد [ تلك ] التّوبة ، فإنّ التّوبة الأولى تصير غير مقبوله ، وتصير كأنّها لم تكن « 4 » . وفيه نظر ظاهر . ثمّ بعد تهديد هم بعدم قبول توبتهم ، ذمّهم بقوله : وَأُولئِكَ المرتدّون لتناهيهم في الضّلال ،

--> ( 1 ) . كذا في أسد الغابة 1 : 332 ، وفي جمهرة أنساب العرب 1 - 2 : 337 : المجذّر بن ذياد ، وفي النسخة : المحذّر بن زياد . ( 2 ) . مجمع البيان 2 : 789 ، تفسير الصافي 1 : 327 . ( 3 ) . تفسير الرازي 8 : 130 . ( 4 ) . تفسير الرازي 8 : 130 .